أحمد مصطفى المراغي

208

تفسير المراغي

على ترك عقيدته إكراها ولا يؤذى ويعذب لأجلها كما قال تعالى : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » والمسلمون إنما يقاتلون لحرية دينهم ولا يكرهون عليه أحدا من دونهم . وروى عن ابن عباس تفسير الفتنة بالشرك - والمعنى عليه - قاتلوهم حتى لا يبقى شرك وتزول الأديان الباطلة فلا يبقى إلا الإسلام . ويؤيد الرأي الأول أنه جاء رجلان في فتنة ابن الزبير إلى عبد اللّه بن عمر فقالا : إن الناس قد صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر بن الخطاب وأنت صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فما يمنعك أن تخرج ؟ قال يمنعني أن اللّه حرم علىّ دم أخي المسلم . قالا ولم يقل اللّه ( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) قال قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين للّه وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير اللّه . ( فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أي فإن انتهوا عن الكفر وعن قتالكم فإن اللّه يجازيهم على ما فعلوا بحسب علمه . ( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) أي وإن أعرضوا عن سماع تبليغكم ولم ينتهوا عن كفرهم وفتنتهم وقتالهم لكم فأيقنوا بنصر اللّه ومعونته لكم وهو متولى أموركم فلا تبالوا بهم ولا تخشوا بطشهم ، وهو نعم المولى ونعم النصير فلا يضيع من تولاه ولا يغلب من نصره . وما غلب المسلمون في العصور الأخيرة وذهب أكثر ملكهم إلا لأنهم تركوا الاهتداء بهدى دينهم وتركوا الاستعداد المادي والحربي الذي طلبه اللّه بقوله : « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ » واتكلوا على خوارق العادات وقراءة الأحاديث والدعوات ، وذلك ما لم يشرعه اللّه ولم يعمل به رسوله - إلى أنهم تركوا العدل والفضائل وسنن اللّه في الاجتماع التي انتصر بها السلف الصالح ، وأنفقوا أموال الأمة والدولة فما حرم اللّه عليهم من الإسراف في شهواتهم .